موقع الكاتب والأكاديمي المغربي جمال بوطيب

"الإنسان أشكل عليه الإنسان" أبو حيان التوحيدي


فيصل عبد الحسن

جور الغياب لجمال بوطيب:

 انطولوجيا تحيي ذكري شعراء معاصرين رحلوا...

فيصل عبد الحسن- كاتب عراقي

صدر في الرباط ـ جور الغياب ـ للناقد د.جمال بوطيب والكتاب مختارات شعرية تم اختيارها من قصائد شعراء مغاربة راحلين، رحل

معظمهم في العقد الأخير وبهذا يتيح الناقد د.جمال بوطيب لقرائه الاطلاع علي النص الحي بعد أن مات ناظمه،فهو شعر مقال عن الموت قاله شعراء أحياء، وقد بني الناقد اختياره من تلمسه فيما قاله الراحلون عن إحساسهم بدنو الموت وقبول بعضهم به كقدر مؤكد لا بد من حدوثه، أي بمعني آخر أن ـ جور الغياب ـ أنطولوجيا شعرية لشعراء ميتين تم جمعها بالرغم من اختلاف المذاهب الشعرية والفكرية لكل شاعر ولم يجمعهم في متنها غير الحالة الفيزيائية والكيمائية والإحيائية الجديدة التي حلت بأبدانهم، فمنعتهم من الكلام والعيش والتسابق كالأحياء للحصول علي فرص الحياة ومنها فرصة اشراك قصائدهم في الانطولوجيا كما يفعل بعض الشعراء الأحياء عند سماعهم بخبر أنطولوجيا شعرية جديدة لشعراء البلد.

إحدى أهم الأنطولوجيات

 ان مهمة اعادة الميت للهاث مجددا من خلال نصه لنيل إعجاب القراء هي احدي أهم الأنطولوجيات الشعرية في المغرب وذلك لكثرة الشعراء المتوفين في عقد واحد في المغرب وأهمية شعرهم وتأثيرهم في الأجيال الشعرية المغربية الشابة الجديدة، بالرغم من عدم استساغة شعر هؤلاء في ديوان الشعر العربي وظــهوره لأهل المشرق من المهتمين كشعر مطلسم مليء بالأسرار وقد فرض جماليته من خلال غموضه الذي يعطي فرصة للقارئ للتحليق في معاني الكلمات وإيقاع موسيقاها، وعموما فهو لا يفهم بسهولة بالرغم من استخدامه للغة العربية الفصحي وهي التي نسميها باللغة الصحافية

 المعتادة في جرائدنا اليومية وتأثر بعض شعراء الانطولوجيا من كبار السن بمدرسة الشعر الحر وقصيدة التفعيلة التي سادت في الخمسينات بجيل الرواد كشاكر بدر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم انتهاء بقصيدة النثر الحديثة.
يقول المؤلف ص5: جور الغياب هو ديوان من رحلوا ومن صمتوا من شعراء المغرب في غفلة من القصيدة، ليتركوها خرساء بعد أن صمتوا صمتهم النهائي والرهيب، وقف الشعر أمامهم وقفة الابن أمام جسد أمه في قصة حي بني يقظان . إنها وقفة الحيرة الشعرية أمام الشيء والجسد

المرتحل، وصيرورته إلي حالة تعطل وتحلل بوجه من الوجوه.
حياة في الموت
لقد اختار الكاتب لكتابة عتبة شعرية من أبيات الموت للشاعر مالك بن الريب التميمي وقد طرد بها الموت عنه وصار خالدا نصيا:
فيا صاحبي رحلي دنا موتي فانزلا
برابية اني مقيم لياليا
ولا تحسداني بارك الله فيكما
من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجراني بثوبي إليكما
فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
ولم ترو غليل المؤلف كل هذه الحياة في ذلك الموت فاستعان بأبي تمام حبيب بن أوس الطائي وهو يصف الميتين والاحياء:
ثوي في الثري من كان يحيا به الثري
ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
عليك سلام الله وقفا فانني
رأيت الكريم الحر ليس له عمر

يأخذنا الكاتب في جولة مريعة بين ما خلف من فقدوا ليوضح لنا مفهومين، الأول ميتافيزيقي يتعلق بالموت ومعانيه ودلالاته والثاني مادي ـ موضوعي ينهل من الوجود النصي كوسيط دلالي ومعطي اشكالي أو كما يقول الكاتب ص 15: بين العنوان والنص الممدد والممتد فإنها بدورها لا تفقد شرط النصية المؤازر بمعطي المعادلة للنصين معا إما اعتمادا علي الوظائف اللسانية أو الشكلية لها أو بتموقعها داخل المنجز النصي بصفة عامة.
عتبة معني المعني

والكاتب يؤطر حركة قصائد الشعراء الموتي بعتبات أولها عتبة اسم الشاعر وتاريخ صمته وأسماء دواوينه وتواريخ نشرها تلي ذلك عتبة أخيرة مقتطعة من قصيدة اختارها معد الكتاب بانيا علي أساسها معني المعني في القصيدة، فهو

علي سبيل المثال يختار الشاعر احمد بركات الذي

صمت بمدينة الدار البيضاء سنة 1994 وله ديوانان منشوران هما ـ أبدا لن أساعد الزلزال ـ من منشورات اتحاد كتاب المغرب ط1 1991 و ـ دفاتر الخسران ـ من نشر اتحاد كتاب المغرب ط1 1994 والشاعر من مواليد الدار البيضاء 1960 وقد اختار له قصيدة ـ جسم لا بد أن يستلقي علي هواء ـ واختار منها ـ معني المعني ـ بقول الشاعر: مرارا رأيت الموتي في أوضاع مرتبكة/ مرارا في سبيل هذا التاج ص25 وازعم ان قوله في القصيدة: ما دمت تفكرين علي تلك الطريقة / لا بد أن تصيري في يوم ما فراشة /وكم عمر الفراشة؟
أكثر تجسيدا لفكرة ـ معني المعني ـ لعتبة الاختيار.
صفحات الموتي
في صفحة الشاعر احمد الجوماري ـ صمت سنة 1995 وولد 1939 وله ديوانان:أشعار في الحب والموت، وأوراق الليل، اختار له المؤلف: أركض صارخا: أواه داسني قطار التاسعة
ـ آه هنا تموت فورة الألم.
ـ آه هنا يصدأ صوت الذاكرة.
ـ آه هنا يسيل الدم في أزقة العروق الميتة.
وكان من الأفضل فيما اعتقد اختيار عتبة القصيدة من الآتي: رأيتني أخنق نفسي، في زنزانة منفردة / أقضم لحمي كالجرذان قطعة قطعة. ص33 لكان ذلك أعمق تأثيرا عن معني المعني في القصيدة.
في ورقة احمد المجاطي الذي صمت بالرباط 1995، وولد عام 1936 بالدار البيضاء له ديوان واحد بعنوان ـ الفروسية ـ والديوان من منشورات المجلس القومي للثقافة العربية 1987 ويليه عبد اللطيف الفؤادي الذي صمت سنة 1994 وله ديوان ـ الطفولة الهاربة ـ وقد ولد الشاعر سنة 1952 ولم يحدد مؤلف الكتاب مكان صمت الشاعر ولا مكان ولادته ولا اعلم سر هذا النقص والشاعر لم يمت منذ زمن طويل بحيث يختلف الباحثون علي مكان ولادته ووفاته، وقد اختار له عتبة رعوية راقصة يقول فيها: آه لوكنت عصفورا علي البحر / لو كنت قطعة ثلج ساخنة / نهرا بلا أحجار / ماء بستان /نخلة فوق أصابع طفل / لو كنت أعمي بكاء المرايا.
والعتبة كما نري رعوية ضاجة بالحياة ولا مكان للموت فيها ولا أدري العلة في اختيارها كهاجس

نصي للموت وهي تتبرأ بالحياة النابضة فيها من الموت الكثيف المخيم علي الانطولوجيا.
وعبد الله راجع صمت في 1990 بالدار البيضاء وولد بسلا سنة 1948 وله ديوان ـ أياد كانت تسرق القمر ـ 1988 وسلاما وليشربوا البحار، والهجرة الي المدن السفلي 1976.
وكريم حوماري صمت عام 1997 وولد 1972 وله ـ ديوان تقاسيم علي آلة الجنون ــ 1997 وكمال الزبدي الذي صمت 1997 وولد 1927 وله ديوان ـ سلم للمستقبل ـ 1973 واحتفاء بالقاسية 1973 وصرخة المملكة 1961.
ومحمد الحلوي صمت عام 2004 وولد 1922 وله ديوان أنغام وأصداء 1965 وشموع 1988 وأنوال 1986 وديوان أوراق الخريف 1996. وقد وفق المؤلف في اختيار عتبة قصيدته لتعبر عن معني المعني بشكل دقيق وعميق:
هذا أنا في صورتي
ظلا لإنسان عبر
عبر الحياة كومضة
وطوته أجنحة القدر
من قصيدة صورتي....ص73

والشاعر محمد خير الدين الذي صمت سنة 1995 وولد سنة 1942 وله ـ شمس عنكبوتية ـ 1969 و ـ هذا المغرب ـ 1975.
ومحمد الخمار الكنوني صمت 1991 وولد 1941

 وله ديوان ـ رماد هسبريس ـ 1987.
والعتبة جاءت موفقة أيضا من قصيدة قراءة في شواهد القباب:
ها انتم تحت الأرض.
البعث أو ميلاد آخر من هذا الرحم الأرضي؟
ان الأرض يا أهلي موت في موت قبر في قبر
أأفول قريبا؟
فلتقم الأجداث لضوء الشمس،
زهورا أو شجرا أو انسانا.
محمد زفزاف شاعراً

 ومحمد زفزاف الذي عرف قاصا وقد كانت بدايته شعرية فيما يبدو وقد أشار مؤلف الكتاب الي أنه لم يكن يعرف بهذه البداية الشعرية إلا من خلال القاص أحمد بوزفور الذي طلب منه إضافة زفزاف لأنطولوجيته وأعطاه قصيدة للقاص منشورة في إحدي الجرائد المغربية القديمة والقاص صمت عام 2000 بالدر البيضاء وقد ولد سنة 1945 في مدينة سوق الغرب. عتبته كانت من قصيدة صليب وأمل:
ونحن ها هنا دوامة انتظار/ متي يعود الخصب للتراب؟
متي نعود للحياة من جديد؟ / متي تعود للمدار / نجومنا الصغار؟ ص91
ومحمد السبايلي الذي صمت 1978 وولد 1950 وله ديوان واحد ـ بحر الضياع ـ
في طريق إلي قبرك /تسابقني مهجتي/فتعانق عيني العيون الحزينة/وتقضم خطاي الصخور الدفينة/ وأظل أسير...أسير... /نحو قبرك الكئيب الأثير. ص95
ومحمد الطوبي الذي صمت 2004 وولد عام

1955 وله العديد من الدواوين الشعرية منها ـ سيدة التطريز بالياقوت ـ 1980 وصعودا أناديك سهوا 1983 وتجربة الإكليل في كمنجات الخريف 1995.
ومحمد منيب البوريمي الذي صمت 2001 وولد 1945 له ديوان ـ مليلة في القلب ـ 1978.

نسيان من ماتوا

 

ومحمد الوديع الاسفي الذي صمت 2004 وولد عام 1923 وله ديوان الجرح العنيد 1979 ونداء الأرض 1983 ونداء الضمير 1997.
والطريف في حياة الشاعر الاسفي أن قصيدته المختارة جاءت ردا علي احد الداعين إلي الابتعاد عن تكرار الحديث عن ذكريات الموتي مهما بذلوا من تضحيات في سبيل أمتهم ووطنهم فرد عليه شعرا:
قالوا، كفي شعرا علي الأموات؟
يا شاعر الأهوال والنكبات
فإلي متي تشكو وتندب راحلا
أمسي مثالا جامد النظرات
ولم الحنين إلي الفقيد بغضه
تمحو بحزن أعذب النسمات؟
ان كتاب ـ جور الغياب ـ من الانطولوجيات الشعرية المهمة في المغرب لأنها تحيي ذكري شعراء رحلوا وتعيد تجربتهم الشعرية للتداول وكذلك توشج العلاقة بينهم وبين شعراء شباب مغاربة يبحثون في تجربة من سبقهم نورا لإكمال دورة التحديث الشعري وشحنها بأعمق وأقدم ما في الوجود من مشاعر، مشاعر الفقد والحزن العميق والبحث الدائم في دورة الحياة والموت عن الخلود والبقاء في عالم يضج بالحياة والفرح والنسيان أيضا لمن ماتوا.

ہ كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب

ـ جور الغياب /منشورات المركز الوطني للإبداع المسرحي والسينمائي/ المغرب /ط1

2007....130 صفحة قطع متوسط.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية










دفتر الزوار


الأشياء المكتوبة وحدها تقاوم النسيان
انت الزائر



كلما دوت في أذني طبول حرب .طلع علي فارس ملثم اسمه: لبانة